فصل: تفسير الآيات (1- 4):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: التفسير القرآني للقرآن



.سورة الفيل:

نزولها: مكية.. نزلت بعد سورة {الكافرون}.
عدد آياتها: خمس آيات.
عدد كلماتها: ثلاث وعشرون كلمة.
عدد حروفها: ثلاثة وتسعون حرفا.
مناسبتها لما قبلها:
فى سورة الهمزة عرض لمن جمع المال، واتخذ منه سلاحا يغمز به الناس، ويهمزهم، ويمزق أديمهم، ويزبل وجودهم الإنسانى بين الناس.
وسورة الفيل تعرض لجماعة من تلك الجماعات، التي اجتمع ليدها قوة من تلك القوى المخيفة، هي الفيل، الذي يشبه قوة المال في طغيانه، حين يجتمع ليد إنسان جهول غشوم، طاغية، فيتسلط على الناس، كما يتسلط صاحب الفيل على صاحب الحمار، أو الحصان، مثلا.. فكان عاقبة صاحب هذا الفيل الهلاك والدمار، كما كان عاقبة صاحب هذا المال، الذلّ والخزي، والخسران.
بسم اللّه الرحمن الرحيم.

.تفسير الآيات (1- 5):

{أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحابِ الْفِيلِ (1) أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ (2) وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبابِيلَ (3) تَرْمِيهِمْ بِحِجارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ (4) فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ (5)}.
التفسير:
فيما يحدث به التاريخ، وتتوارد عليه الأخبار الصحيحة، تلك الحادثة التي تسمى حادثة الفيل، والتي أرخ بها العرب الجاهليون، كما كانوا يؤرخون بالأحداث العظيمة، التي تقع لهم في مسيرة حياتهم.. فاتخذوا عام الفيل مبدأ لمرحلة من مراحل التاريخ عندهم.
وحادثة الفيل- كما تروى كتب التاريخ والسير- كانت عام ميلاد النبي صلى اللّه عليه وسلم.. وأن مسرحها كان مكة، البلد الحرام، وأن مقصدها كان هدم الكعبة والبيت الحرام! قيل إن قائدا حبشيا اسمه أبرهة، كان قد غلب على اليمن، ثم رأى تعظيم العرب للكعبة، وإقبالهم عليها، وتمسحهم بها، فأراد أن يجعل وجهة العرب إليه، فبنى بنيّة، أراد بها أن يحج العرب إليها، وأن ينصرفوا عن الكعبة.. فلما لم يجد منهم استجابة لدعوته، ولا التفاتا إلى بنيته، قرر أن يهدم الكعبة، ويزيل معالمها، حتى لا يكون للعرب متجه إليها، فيخلو بذلك وجههم لهذه البنية التي بناها.. فسار يجيش كثيف، يتقدمه فيل عظيم، كان عدة له من عدد الحرب التي يرهب بها أعداءه.. فلما سمعت قريش بمقدم أبرهة بهذا الفيل الذي يتهددهم به، فزعت، وهالها الأمر.
قالوا: ونزل أبرهة بجيشه وفيله بمكان اسمه المغلّس على مشارف مكة، وحط رحاله هناك، استعدادا لدخول مكة، وهدم الكعبة.
ثم إنه استدعى إليه صاحب كلمة قريش يومئذ، وكان عبد المطلب بن هاشم، جدّ النبي.. فجاء إليه، فكلمه أبرهة فيما جاء له، وأنه لا يريد شرا بالناس، وإنما جاء ليهدم الكعبة، فإن أخلت قريش بينه وبين الكعبة لم يعرض لهم بسوء، وإلا فقد عرفوا ما سوف ينزل بهم من بلاء!! فقال له عبد المطلب:
دونك وما تشاء.. ولكن ردّ إلينا ما احتواه جيشك من أموالنا.. وكان جيش أبرهة قد ساق كل ما صادفه في طريقه من إبل وشاء، وعبيد، مما كان على مواقع المراعى لقريش.. فقال أبرهة: أحدثك في شأن الكعبة، وتحدثنى عن الإبل والشاء؟ أترى هذه الأنعام أكرم عندكم وأغلى من هذا البيت الذي تعظمونه؟ فقال عبد المطلب هذه الأنعام لنا، أما البيت فله ربّ يحميه!! قالوا: ودعا عبد المطلب قريشا إلى أن يخرجوا من مكة إلى شعابها، وجبالها، وأن يدعوا أبرهة والبيت الحرام.
وفى صبيحة اليوم الذي تأهب فيه أبرهة لدخول البلد الحرام، فشا في جيشه الجدري، فهلك الجيش جميعه.
قالوا، وكان ذلك أول عهد العرب بهذا الداء، الذي لم تعرفه من قبل.
وقالوا: إن هذا الداء كان يهرى جسد من يلمّ به، حيث يتناثر لحمه، ويتساقط، قطعا قطعا، كما تتساقط الرمم المتعفنة.
وهكذا قضى على الجيش كله، ولم تبق منه إلا تلك الأشلاء الممزقة، المتناثرة.
والقرآن الكريم، لا يشير إلى هذا الداء- داء الجدري- الذي يقال إنه هو الذي هلك به أبرهة وجيشه، وإنما يتحدث عن طير أبابيل، رمت القوم بحجارة من سجيل، فجعلتهم كعصف مأكول، كما يقول سبحانه:
{أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحابِ الْفِيلِ أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ} وهو استفهام تقريرى تنطق به الحال المشاهدة.
والتضليل: الضياع، والخيبة، والبوار.
وقوله تعالى: {وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبابِيلَ}.
الأبابيل: الجماعات، والأسراب التي يتبع بعضها بعضا.
وقوله تعالى: {تَرْمِيهِمْ بِحِجارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ}.
أي أن هذه الأسراب من الطير كانت ترمى القوم بحجارة من سجيل.
وهذه الحجارة لا يدرى حقيقتها إلا اللّه سبحانه وتعالى، والأوصاف التي يصفها بها المفسرون والمحدّثون لا ينبغى الوقوف عندها.. وهل يسأل عن عصا موسى وكيف كانت تنقلب حية؟ وعن يد عيسى وكيف كانت تبرئ الأكمه والأبرص، وعن كلمته، وكيف كانت تحيى الموتى؟.. إنها آيات من عند اللّه، وآيات اللّه، وإن لبست في الظاهر صورا حسية، فإن في كيانها أسرارا لا يعلمها إلا علام الغيوب.. وهذه الطير، هي طير، والذي كانت تحمله وترمى يه القوم، هو حجارة من سجيل.. أما جنس هذا الطير، وصفته، وأما الأحجار وصفتها فذلك ما لا يعلمه إلا اللّه، والبحث عنه رجم بالغيب.
هذا، ويطلق الطير على كل ما طار بجناحين، سواء أكان بعوضا، أم ذبابا، أم نسورا، وعقبانا.
والسجيل: الحجارة الصلدة، وأصل السجيل، الطين المطبوخ.
والعصف: الكمّ الذي يضم الحب في كيانه، كحب القمح، والشعير، ونحوه.. كما يشير إلى ذلك قوله تعالى: {وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ}.
والعصف المأكول: أي الذي أكل منه الحب، وبقي هذا القشر الرقيق الذي كان يغلّقه.. ولا شك أن هذا الذي أخذ اللّه سبحانه وتعالى به هذا الطاغية الذي جاء ليهدم بيت اللّه، هو آية من الآيات الدالة على ما لهذا البيت عند اللّه من حرمة، وأنه بيته على هذه الأرض، الذي كان أول بيت وضع للناس، وسيكون آخر بيت يبقى على وجه الأرض.. وأنه لا يزول حتى تزول معالم الحياة من هذا العالم.. ثم إن وقوع هذه الآية مع مطلع ميلاد النبي، هو آية من آيات اللّه، على ما لرسول اللّه عند ربه من مقام كريم، فلا ينزل سوء ببلد هو فيه.. إنه صلوات اللّه وسلامه عليه- رحمة حيث كان.. رحمة للناس، وبركة على المكان والزمان.. فرحم اللّه قومه، وأكرمهم من أجله، فلم ينزل به ما نزل بالأقوام الضالين الذين عصوا رسلهم، بل عافاهم اللّه سبحانه من هذا البلاء وأخذ بهم إلى طريق الهدى والإيمان. وكذلك فعل سبحانه بالبلد الحرام، مطلع نبوته، ومبدأ رسالته، فحماها من كل سوء، ودفع عنها كل مكروه.. في ماضيها، وحاضرها ومستقبلها، وستبقى هكذا إلى يوم الدين، البيت المعمور، الذي تتجه إليه أبدا قلوب الأمة الإسلامية ووجوهها.

.سورة قريش:

نزولها: مكية.. نزلت بعد سورة التين.
عدد آياتها: أربع آيات.
عدد كلماتها: تسع عشرة كلمة.
عدد حروفها: ثلاثة وسبعون حرفا.
مناسبتها لما قبلها:
أشارت سورة الفيل إلى هذه المنّة العظيمة التي امتن بها اللّه سبحانه وتعالى على قريش إذ دفع عن بلدهم الحرام، وعن بيته الحرام هذا المكروه، وردّ عنهم هذا البلاء، وأخذ المعتدى على حرمة هذا البيت أخذ عزيز مقتدر.. وبهذا وجدت قريش في هذا البلد أمنها، ووجدت في جوار البيت الحرام حماها، وصار لها في قلوب العرب مكانة عالية، وقدر عظيم، لا يستطيع أحد أن يحدّث نفسه بسوء ينال به أحدا من أهل هذا البلد الحرام، وقد رأى ما صنع اللّه بمن أراد به أو بأهله سوءا.
وجاءت سورة قريش بعد هذا، وكأنها تعقيب على حادثة الفيل، ونتيجة لازمة من نتائج هذه الحادثة.. ولهذا وصل كثير من العلماء هذه السورة بسورة الفيل، وجعل اللام في قوله تعالى: {لِإِيلافِ قُرَيْشٍ} لام تعليل، متعلقا بقوله تعالى {فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ}.
أي جعلهم كعصف مأكول لإيلاف قريش.. كما سنرى ذلك بعد.
بسم اللّه الرحمن الرحيم.

.تفسير الآيات (1- 4):

{لِإِيلافِ قُرَيْشٍ (1) إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتاءِ وَالصَّيْفِ (2) فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هذَا الْبَيْتِ (3) الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ (4)}.
التفسير:
الإيلاف: من التأليف، والجمع، في تجانس وألفة، ومودة.
فقوله تعالى: {لِإِيلافِ قُرَيْشٍ} أي لأجل أن تألف قريش رحلة الشتاء والصيف، ولكى تعتاد تنظيم حياتها على هاتين الرحلتين- كان هذا الذي صنعه اللّه بهذا العدوّ صاحب الفيل، الذي جاء يبغى إزعاجهم عن البلد الحرام، ونزع ما في القلوب من مكانة لهم، وتعظيم لشأنهم، باعتبارهم سدنة البيت الحرام الذي كانت تعظمه العرب، وتعظم ساكنيه.. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ الَّذِي جَعَلْناهُ لِلنَّاسِ سَواءً الْعاكِفُ فِيهِ وَالْبادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ} [25: الحج].
وقوله تعالى: {إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتاءِ وَالصَّيْفِ}.
هو بدل من قوله تعالى: {لِإِيلافِ قُرَيْشٍ}.
أي لإيلافهم رحلة الشتاء والصيف، كان هذا الذي فعلناه بهذا العدو المغير الذي جاء يزعج أهل هذا البلد الآمن.. فكانوا في رحلتيهم التجاربتين، في الشتاء والصيف، في أمن وسلام، لا يعرض لهم أحد بسوء، فحيث نزلوا وجدوا الألفة والمودة من كل من يلقاهم، ويعرف أنهم أهل هذا البلد الحرام.
فقوله تعالى: {رِحْلَةَ الشِّتاءِ وَالصَّيْفِ} مفعول به للمصدر {إيلافهم}.
وقد كان لقريش رحلتان للتجارة.. رحلة في الشتاء، إلى اليمين، ورحلة في الصيف، إلى الشام.
والذي يعرف الحياة الجاهلية، وما كان يعرض للمسافرين في طرقها وشعابها من أخطار، وما يترصدهم على طريقهم من المغيرين وقطاع الطرق، يدرك قيمة هذا الأمن الذي كان يصحب قريشا في قوافلها المتجهة إلى اليمن أو الشام، محملة بالأمتعة، والبضائع، دون أن يعرض لها أحد.. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ} [67: العنكبوت] ولهذا جاء قوله تعالى: {فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هذَا الْبَيْتِ الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ} جاء تعقيبا على هذه النعمة العظيمة التي أنعمها اللّه على قريش، وجعل من حقّ شكرها أن يعبدوا رب هذا البيت، فهو- سبحانه- الذي حفظه لهم مما كان يراد به من سوء، وحفظ عليهم أمنهم وسلامتهم فيه.. فلقد أطعمهم اللّه سبحانه من جوع، بما فتح لهم من طرق آمنة يغدون فيها ويروحون بتجاراتهم، وألبسهم لباس الأمن حيث كانوا، داخل هذا البلد الحرام أو خارجه.. وإنه لا أجلّ من نعمة الأمن بجده الإنسان وسط غابة، تزأر فيها الأسود، وتعوى الذئاب! وفى إضافة البيت إلى اللّه سبحانه وتعالى، تشريف لهذا البيت، ورفع لقدره وتنوبه به.
فاللّه سبحانه وتعالى، هو رب هذا البيت، ورب كلّ شيء في هذا الوجود، ولكن إضافة هذا البيت وحده إلى ربوبيته سبحانه وتعالى، تجعل لهذا البيت شأنا غير شأن عوالم المخلوقات كلّها.. فهل يعرف المشركون قدر هذا البيت؟
وهل يحفظون حرمته، ويرعونها حق رعايتها؟
وقد أشرنا من قبل- في تفسير سورة القدر- إلى أن اللّه سبحانه وتعالى لم يضف إلى ذاته سبحانه في مقام القسم- من عالم البشر غير النبي صلى اللّه عليه وسلم، وأن هذه الإضافة، تضع النبي- صلوات اللّه وسلامه عليه- في كفة، وعالم المخلوقات كلها في كفة، وأن كفته ترجح كفة المخلوقات جميعها، في سمائها وأرضها، وما في سمائها وأرضها.
ونقول هنا، إن اللّه سبحانه لم يضف إلى ذاته الكريمة- في مقام الربوبية- بيتا، غير هذا البيت الحرام {رَبَّ هذَا الْبَيْتِ}.
.. وهذا يعنى أن هذا البيت، يرجح في ميزانه بيوت اللّه جميعها.

.سورة الماعون:

نزولها: مكية.. نزلت بعد سورة التكاثر.
عدد آياتها: سبع آيات.
عدد كلماتها: خمس وعشرون كلمة.
عدد حروفها: مائة وخمسة وعشرون حرفا.
مناسبتها لما قبلها:
جاء في سورة قريش تنويه عظيم بشأن الشّبع من الجوع، والأمن من الخوف، حيث لا حياة بغير طعام، ولا طعم لحياة بغير أمن! وجاءت سورة الماعون لتضرب-والحديد ساخن- كما يقولون على أوتار هذه القلوب الجافية، ولتهزّ تلك المشاعر الجامدة، التي عرفت طعم الشّبع بعد الجوع، وذاقت هناءة الأمن بعد الخوف، حتى تندّ بالمعروف، وتسخو بالخير، قبل أن تنسى لذعة الجوع، ورعدة الخوف.
بسم اللّه الرحمن الرحيم.

.تفسير الآيات (1- 7):

{أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ (1) فَذلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ (2) وَلا يَحُضُّ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ (3) فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (4) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ (5) الَّذِينَ هُمْ يُراؤُنَ (6) وَيَمْنَعُونَ الْماعُونَ (7)}.
التفسير:
{أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ}.
خطاب للنبى، صلوات اللّه وسلامه عليه، ولكل من هو أهل للخطاب، ولتلقّى العبرة والعظة منه.
والاستفهام هنا يراد به إلفات الأنظار والعقول إلى هذا الإنسان الذي يكذب بالدين.. إنه إنسان عجيب، لا ينبغى لعاقل أن يفوته النظر إلى هذا الكائن العجيب وتلك الظاهرة النادرة! ففيه عبرة لمن يعتبر، وفيه ملهاة لمن يريد أن يتلّهى.
والدين: هو الدينونة، أي الحساب والجزاء في الحياة الآخرة.
والذين يكذبون بالدينونة، والبعث، والحساب، والجنة، والنار، لا يؤمنون باللّه، وإن آمنوا به فهم لا يوقرونه، ولا يعرفون قدره. ومن هنا فهم لا يعلمون حسابا للقاء اللّه، ولا يقدّمون شيئا لليوم الآخر، فإنّ من خلت نفسه من شعور الثواب أو العقاب من الجهة التي يتعامل معها، فإنه لا يلقاها إلا في تراخ وفتور، وعدم مبالاة.
وقوله تعالى: {فَذلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ وَلا يَحُضُّ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ}.
الفاء واقعة في جواب شرط مقدر، يدل عليه الاستفهام في قوله تعالى: {أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ}؟ أي إذا لم تكن رأيته، فها هو ذا، فانظر إليه، وشاهد أحواله، فهو ذلك الذي يدعّ اليتيم.
والإشارة مشاربها إلى هذا الذي يكذب بالدين.. إنه ذلك الذي {يَدُعُّ الْيَتِيمَ} أي يقهره، ويذله، وينزع عنه لباس الأمن والطمأنينة إذا وقع ليده، وعاش في ظله.. إن اليتيم ضعيف، عاجز، أشبه بالطير المقصوص الجناح، يحتاج إلى اللطف، والرعاية، والحنان.. فإذا وقع ليد إنسان قد خلا قلبه من الرحمة، وجفت عواطفه من الحنان والعطف- كان أشبه بفرخ الطير وقع تحت مخالب نسر كاسر، فيموت فزعا وخوفا، قبل أن يموت تمزيقا ونهشا.
وقوله تعالى: {وَلا يَحُضُّ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ}.
أي لا يدعو إلى إطعام المسكين، ولا يجعل من رسالته في الناس إطعام الجياع.. فإن من لا يحمل همّ الجياع، ولا يدعو الناس إلى إطعامهم، لا يجد من نفسه الدافع الذي يدفعه إلى إطعامهم من ذات يده.. ذلك أن الذي يعرف عنه في الناس أنه يحضّ على هذه المكرمة وينادى بها فيهم- يستحى أن يدعو إلى فعل ولا يفعله.
وإنك لن تجد بخيلا أبدا يدعو إلى الإحسان، لأن كلمة الإحسان تفزعه، حتى لو نطق بها زورا ويهتانا.. فإذا دعا داع إلى الإحسان كان معنى هذا أنه يمكن أن يكون في المحسنين يوما ما.. وهذا هو السرّ في احتفاء القرآن الكريم بالحضّ على فعل المكارم، فمن حضّ على مكرمة، وجعلها دعوة له، كان قمينا بأن يكون من أهلها عملا، بعد أن كان من دعاتها قولا.
وإذا جاز لإنسان أن يدعّ اليتيم، ويزعج أمنه، أو يضن على جائع بلقمة يتبلغ بها- وهو غير جائز، ولا مقبول على أي حال- فإنه لا يجوز ولا يقبل أن يكون ذلك من أحد من قريش، الذين أطعمهم اللّه من جوع، وآمنهم من خوف، من بين العرب جميعا.
إنهم يشهدون ذلك في كل لحظة من لحظات حياتهم: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ} [67: العنكبوت].
وقوله تعالى: {فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ الَّذِينَ هُمْ يُراؤُنَ وَيَمْنَعُونَ الْماعُونَ}.
مناسبة هذه الآيات لما قبلها، هي أن الصلاة في حقيقتها نور يضيء ظلام القلوب، ويجلّى غشاوة النفوس، لأنها أوثق الصلات التي تصل العبد بربه، وتقرّبه منه، وتعرضه لنفحات الرحمة، فتشيع في كيانه الحب والحنان، حيث يضفيهما على عباد اللّه، وخاصة الضعفاء والفقراء، الذين وصّى اللّه سبحانه وتعالى يهم الأقوياء والأغنياء، واسترعاهم إياهم.
والصلاة لاتثمر هذا الثمر الطيب، ولا تؤتى هذا الأكل الكريم، إلا إذا كانت خالصة للّه، يشهد فيها المصلّى جلال خالقه، وعظمة ربه.. وذلك لا يكون حتى تصدق النية، وتخلص الرغبة، ويعظم اليقين في لقاء اللّه، والثقة في أنّ من يعمل مثقال ذرة خيرا يره، ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره.
والذين يسهون عن الصلاة، أي يغفلون عنها، ولا يشغلون أنفسهم بها، وبانتظار أوقاتها ليهيئوا أنفسهم لها، ويعدوها للقاء اللّه في محرابها- هؤلاء ليسوا مصلين في الحقيقة، وإن ركعوا، وسجدوا، لأن صلاتهم تلك إنما تقع عفوا، وتجيء حسب ما اتفق، كأن يكونوا في جماعة، وقد أذّن المؤذن للصلاة، فيمنعهم الحياء، أو الخوف من قالة السوء فيهم أن تصلى الجماعة ولا يصلون، أو أنهم يصلون في الأوقات التي لا يشغلهم فيها شيء، ولو كان تافها.
أما إذا شغلهم عمل، أو لهو، فلا يذكرون الصلاة، ولا يؤثرونها على ما بين أيديهم من عمل، أو لهو، حتى لكأن الصلاة نافلة من نوافل الحياة، لا قدر لها ولا وزن! فهذا هو السهو، وهؤلاء هم الساهون عن الصلاة الذين توعدهم اللّه سبحانه وتعالى بالويل، لأنهم يراءون الناس، وينافقونهم أو ينافقون أنفسهم بها، وهم لهذا لا ينتفعون بالصلاة، فلا يأتمرون منها بمعروف، ولا ينتهون بها عن منكر.
وقوله تعالى: {وَيَمْنَعُونَ الْماعُونَ}.
الماعون: من العون، وهو ما يجد فيه الإنسان عونا على ما يلمّ به من حاجة وعوز.
والمراد بالماعون هنا الزكاة، لأنها أوسع الأبواب، وأجداها في إسداء العون، للفقير، والمسكين، وابن السبيل.
فالويل إنما يتجه الوعيد به هنا، إلى الذين لا يقيمون الصلاة على وجهها، ولا يؤدّون الزكاة على تمامها وكمالها، طيبة بها أنفسهم، منشرحة بها صدورهم.
فهم يمنعون الزكاة ما استطاعوا منعها، ويؤدونها إذا قام عليهم سلطان قاهر، يرصد أموالهم، ويستخرج منها زكاتهم، كما يستخرج رجال الأمن المال المسروق من جيب السارق!! وفى قوله تعالى: {فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ} وفى جعل هاتين الكلمتين آية ذات دلالة مستقلة، مستوفية أركان الجملة المفيدة من مبتدأ وخبر- في هذا إعجاز من إعجاز البلاغة القرآنية، حيث تهزّ هاتين الكلمتين أقطار النفس، وتستثير دواعى الفكر، حين يجد المرء نفسه بين يدى هذه الحقيقة الغريبة المذهلة:
{ويل للمصلين}!! وكيف يكون الويل للمصلين، والصلاة عماد الدين، وركنه المتين، وعليها يقوم بناؤه، وبها تشتد أركانه، وتثبت دعائمة؟ أهذا ممكن أن يكون؟ ويجيء الجواب نعم! وكيف؟ إنها صلاة الساهين عنها، المستخفين بها، الذين يأتونها رياء ونفاقا.. وإن الذين لا يؤدون الصلاة أصلا، ممن يؤمنون باللّه، لهم أحسن حالا، من هؤلاء المصلين المرائين، لأن الذين لا يؤدونها أصلا، لم يتعاملوا بالصلاة بعد، ولم يزنوها بهذا الميزان البخس، ولو أنهم صلّوا فقد يقيمونها على ميزان يعرف قدرها، ويبين عن جلالها، وعظمة شأنها.. أما الذي يصلى ساهيا عن الصلاة متغافلا عنها، مستخفّا بها- فقد بان قدر الصلاة عنده ووزنها في مشاعره.. وهو قدر هزبل، ووزن لا وزن له، ومن هنا كان جزاؤه هذا الوعيد بالويل والعذاب الشديد.